السعودية في المونديال: من 1994 إلى تذكرة 2026

سبع مشاركات في كأس العالم بين 1994 و2026: رقم لا يملكه في آسيا إلا الكوريون واليابانيون والإيرانيون. المنتخب السعودي ليس ضيفاً عابراً على المونديال، بل ثابت من ثوابته في العقود الثلاثة الأخيرة، بحكايات تتراوح بين هدف خالد وليالي مفاجآت عالمية.
من العويران في واشنطن إلى الدوسري في لوسيل، هذه محطات الأخضر في العرس الكروي الأكبر.
1994: البداية الحالمة
المشاركة الأولى كانت الأجمل. في أميركا، قاد المدرب الأرجنتيني خورخي سولاري جيلاً ذهبياً — ماجد عبدالله اعتزل للتو، وخلفه جيل العويران والجبران والدعيع — إلى إنجاز عربي غير مسبوق: بلوغ الدور الثاني من أول محاولة.
اللقطة الخالدة جاءت أمام بلجيكا: سعيد العويران ينطلق من منتصف الملعب، يراوغ أربعة مدافعين، ويسكن الكرة المرمى. هدف اختير لاحقاً بين أجمل أهداف القرن في المونديال، وما زال يُعرض في كل مونتاج عن تاريخ البطولة. خسر الأخضر ثمن النهائي أمام السويد 1-3، لكنه غادر وهو حديث العالم.
1998-2006: سنوات التعلم القاسية
المشاركات الثلاث التالية كانت دروساً بثمن باهظ. فرنسا 1998 انتهت بخروج مبكر ودموع الجيل الذهبي. كوريا واليابان 2002 حملت أقسى ليلة في تاريخ الأخضر: ثمانية أهداف نظيفة من ألمانيا في الافتتاح، في هزيمة بقيت جرحاً جماهيرياً لسنوات. ألمانيا 2006 شهدت تحسناً نسبياً بنقطة أمام تونس، لكن الخروج المبكر استمر.
تلك الحقبة علمت الكرة السعودية درساً بنيوياً: المواهب وحدها لا تكفي في المونديال؛ الإعداد البدني والاحتكاك الخارجي هما الفارق الحقيقي.

2018 و2022: العودة والمجد المفاجئ
بعد غياب نسختين، عاد الأخضر في روسيا 2018. خسر الافتتاح أمام البلد المضيف بخماسية، لكنه ختم بفوز تاريخي على مصر 2-1 — أول انتصار سعودي في المونديال منذ 1994، بثنائية سلمان الفرج وسالم الدوسري في اللحظات الأخيرة.
ثم جاءت قطر 2022 وليلة لوسيل الأسطورية: الفوز على الأرجنتين بطلة العالم لاحقاً 2-1، في مفاجأة وصفتها الصحافة العالمية بأنها الأكبر في تاريخ البطولة. رغم الخروج من المجموعات، غادر الأخضر برأس مرفوع ولقطة خالدة ثانية في سجله المونديالي.
محطات الأخضر في المونديال:
- 1994 أميركا: ثمن النهائي من أول مشاركة، وهدف العويران الخالد.
- 1998 و2002 و2006: ثلاث نسخ صعبة، ودروس بنيوية قاسية.
- 2018 روسيا: العودة بعد الغياب، وفوز تاريخي على مصر.
- 2022 قطر: إسقاط الأرجنتين بطلة العالم في مفاجأة العصر.
- 2026: تأهل سابع عبر الملحق الآسيوي في أكتوبر 2025.
الأرقام في جدول
| النسخة | الحصيلة |
|---|---|
| 1994 | ثمن النهائي — أفضل نتيجة حتى اليوم |
| 1998 / 2002 / 2006 | دور المجموعات |
| 2018 | دور المجموعات، فوز على مصر 2-1 |
| 2022 | دور المجموعات، فوز على الأرجنتين 2-1 |
| 2026 | تأهل سابع، والطموح تجاوز المجموعات |
الحُكماء الثلاثة: أجيال قارنت المونديالات
نادراً ما تجد في آسيا لاعبين خاضوا أربع نسخ من كأس العالم. السعودية تملك ثلاثة منهم: محمد الدعيع الحارس الأسطوري (1994-2006)، وسامي الجابر الهداف التاريخي (1994-2006)، ومعهم أجيال عرفت البطولة في حقب مختلفة. الدعيع تحديداً يبقى رمزاً: حارس القارة الأشهر، وحامل شارة القيادة في ثلاث نسخ.
هؤلاء صنعوا ما يشبه مدرسة مونديالية داخل الكرة السعودية: لاعبون نقلوا الخبرة للأجيال التالية تدريباً وإعلاماً وإدارة. حين يلعب الأخضر اليوم، فإن جزءاً من هدوئه موروث من لاعبين عرفوا كل سيناريوهات البطولة.

التصفيات الطويلة: الطريق إلى 2026
طريق الأخضر إلى مونديال 2026 لم يكن سهلاً: دور ثالث متعثر أنهاه خارج بطاقتي التأهل المباشر، ثم ملحق رابع حسمه بتصدر مجموعته في أكتوبر 2025 أمام إندونيسيا والعراق. الفوز 3-2 على إندونيسيا في جدة كان مباراة التأهل الحقيقية، قبل تعادل محسوب مع العراق أكمل المهمة.
الدروس المستفادة مهمة: الجيل الحالي يعرف أن التأهل لم يعد مضموناً باسم المنتخب، وأن آسيا المتوسعة بمقاعدها الثمانية رفعت مستوى المنافسة بدل تسهيلها. هذه الخشونة في المشوار قد تكون أفضل إعداد للمونديال نفسه.
من الخبرة المتراكمة إلى مشروع 2034
كل مشاركة سعودية في المونديال أضافت طبقة جديدة إلى خبرة الأخضر. البدايات كانت للتعلم والاحتكاك، ثم جاءت مرحلة المنافسة الحقيقية، وصولاً إلى القدرة على صناعة نتائج تهز حسابات البطولة كلها. هذا التراكم لا يظهر في سجلات الأرقام فقط، بل في شخصية المنتخب نفسه: لاعبون لم يعودوا يرتبكون أمام الأسماء الكبيرة، وأجهزة فنية تعد خططاً خاصة لكل خصم، وجماهير تسافر خلف الفريق في كل قارة واثقة بأن الحضور السعودي صار جزءاً من خريطة المونديال.
فوز المملكة بحق استضافة نسخة 2034 نقل القصة إلى بُعد مختلف تماماً. المنتخب الذي اعتاد السفر بعيداً بحثاً عن الحلم سيلعب ذات يوم على أرضه وأمام جماهيره، في ملاعب حديثة تُبنى لهذه اللحظة. هذا التحول يضع على عاتق الكرة السعودية مسؤولية مضاعفة: بناء جيل قادر على تمثيل البلاد بصورة تليق بالحدث التاريخي، واستثمار السنوات المتبقية في تطوير القواعد والمسابقات والكوادر الفنية الوطنية.
الطريق إلى 2034 يمر بمحطات مونديالية أخرى تسبقه، وكل مشاركة قادمة هي بروفة حقيقية للموعد الكبير. التأهل المستمر، والاحتكاك بمدارس كروية مختلفة، ونضج جيل الدوري القوي، كلها عناصر تصب في مشروع واحد: أن يصل الأخضر إلى موندياله مستعداً لا ليكون مجرد مضيف كريم، بل منافساً يحترمه الجميع ويخشاه الكبار في ليالي البطولة الحاسمة.
2026 وما بعدها: الطموح الجديد
التأهل إلى مونديال 2026 في أميركا وكندا والمكسيك جاء عبر طريق صعب: الملحق الآسيوي الرابع في أكتوبر 2025، بفوز مثير على إندونيسيا وتعادل حاسم مع العراق. الجيل الحالي — بمزيج من لاعبي 2022 ودماء جديدة — يعرف أن الهدف لم يعد المشاركة: تخطي دور المجموعات هو الطموح المعلن هذه المرة.
ومع مونديال 2034 على أرضه، يقف الأخضر أمام عقد حاسم: تحويل الحضور المونديالي الدائم إلى نتائج تليق ببلد سيستضيف البطولة نفسها. الحكاية التي بدأت بهدف العويران تنتظر فصلها الأجمل.


