بنزيما في الاتحاد: من الكرة الذهبية إلى قيادة العميد

قبل أن يصبح قائداً لجيل الاتحاد الذهبي، كان كريم بنزيما يحمل في حقيبته من مدريد شيئاً لا يقدر بثمن: كرة ذهبية حديثة العهد وسمعة «الرجل الذي يفوز بالمباريات الكبرى». في جدة احتاج موسماً كاملاً ليتكيف، ثم قاد العميد إلى ثنائية تاريخية في الثاني.
قصة بنزيما في السعودية قصة صبر مزدوج: نادٍ انتظر نجمه، ونجمٌ انتظر مشروعاً يليق بما بقي في ساقيه.
من البيرنابيو إلى الجوهرة
غادر بنزيما ريال مدريد صيف 2023 بعد 14 موسماً وأكثر من 350 هدفاً، متوجاً بكرة ذهبية 2022 التي كافأت أفضل مواسمه: لقب دوري الأبطال ولقب الليغا وهداف البطولتين. اختار الاتحاد مشروعه الجديد بعقد ضخم، وكان ثاني الأسماء الكبرى بعد رونالدو في حقبة الاستقطاب السعودية.
الموسم الأول (2023-2024) كان صعباً بصراحة: إصابات متقطعة، وانسجام ناقص مع مدربين تعاقبوا على النادي، ونهاية مخيبة بلا ألقاب. الصحافة المحلية تساءلت وقتها: هل جاء النجم للاعتزال المبكر؟
موسم الرد: ثنائية 2024-2025
مع وصول لوران بلان تغير كل شيء. وجد بنزيما مدرباً فرنسياً يفهمه، ومنظومة تخدم نقاط قوته: التحرك بين الخطوط، اللمسة الأخيرة، وصناعة اللعب حول منطقة الجزاء. كانت النتيجة موسماً تسجل فيه وتصنع فيه بمعدلات تذكر بأفضل أيامه الأوروبية، مع أهداف حاسمة في مواجهات القمة.
توّج الموسم بلقب الدوري، ثم أضاف كأس الملك بالفوز 3-1 على القادسية في النهائي. الثنائية أعادت بنزيما إلى صدارة الحديث الرياضي، وأثبتت أن صفقات النجوم الكبار قد تؤتي ثمارها — إذا بُني حولها فريق حقيقي.

الشراكة مع كانتي
ثنائية بنزيما ونغولو كانتي في جدة إحدى أكثر القصص جاذبية في الدوري. صديقان من المنتخب الفرنسي، وصلا في الصيف نفسه من 2023، ويجمعهما رصيد مرعب من الألقاب: دوريات أبطال أوروبا، ومونديال 2018 لكانتي، وكرة ذهبية لبنزيما. على أرض الملعب، يمنح كانتي التوازن الدفاعي الذي يحرر بنزيما للتركيز على ما يجيده: حسم المباريات.
في غرفة الملابس، يتحدث زملاؤهما عن قائدين بطباع مختلفة: كانتي الصامت الذي يقود بالقدوة، وبنزيما الصريح الذي يطالب بالمزيد. المزيج نجح، ونتيجته كانت الثنائية.
أبرز محطات الفرنسي في جدة:
- يونيو 2023: التوقيع قادماً من ريال مدريد بعد 14 موسماً.
- 2023-2024: موسم تكيف صعب، إصابات وبلا ألقاب.
- 2024-2025: قيادة الاتحاد إلى لقب الدوري وكأس الملك.
- أهداف حاسمة في مواجهات الهلال والنصر طوال موسم اللقب.
الأرقام في جدول
| المحطة | الإنجاز |
|---|---|
| ريال مدريد 2009-2023 | أكثر من 350 هدفاً وخمسة ألقاب دوري أبطال أوروبا |
| الكرة الذهبية 2022 | أفضل لاعب في العالم بعد موسم تاريخي |
| الاتحاد 2023 | التوقيع في صيف الاستقطاب الكبير |
| الاتحاد 2024-2025 | ثنائية الدوري وكأس الملك بقيادته |
الفن الخفي لبنزيما: أكثر من هداف
من يشاهد بنزيما بتمعن يلاحظ أن قيمته الحقيقية ليست في الحصيلة التهديفية وحدها. الفرنسي من أفضل مهاجمي جيله في اللعب بين الخطوط: ينزل لاستلام الكرة، يجذب مدافعين، ويفتح المساحات للأطراف. في مدريد كان هذا الدور مخفياً خلف أهداف رونالدو لسنوات، قبل أن يتفجر هدافاً بعد رحيله.
في جدة كرر المعادلة مع ديابي وبرغفين: تحركاته تفتح العمق للسرعتين، وتمريراته بين الظهير وقلب الدفاع صارت من أكثر لقطات الاتحاد تداولاً. مدربون واجهوه يقولون إن مراقبته مهمة جماعية لا فردية.

بنزيما والاتحاد: حكاية وفاء متبادل
حين تعثر موسمه الأول، كانت أصوات تطالب النادي بالتخلي عنه. موقف إدارة الاتحاد كان حاسماً: الثقة الكاملة باللاعب، وحمايته إعلامياً، وبناء الفريق حوله لا ضده. بنزيما رد الوفاء بوفاء: رفض عروضاً أوروبية، وجدد التزامه بالمشروع، وقاد غرفة الملابس في الموسم الذهبي.
هذه الثنائية الإنسانية — نادٍ يصبر ونجم يرد الجميل — نادرة في زمن الانتقالات السريعة. في جدة يُروى أن بنزيما وجد بيته الثاني، وأن الاتحاد وجد أخيراً الزعيم الذي يليق بتاريخه.
القائد الذي لا يحتاج إلى شارة
قيادة بنزيما في الاتحاد لا تظهر في الإحصاءات وحدها. الفرنسي يتحرك بين الخطوط ليفتح المساحات لزملائه، ويعود إلى الوسط ليستلم الكرة تحت الضغط ويخرج الفريق من المواقف الصعبة، ويعرف متى يسرّع الإيقاع ومتى يهدّئ المباراة. هذا الذكاء الكروي المتراكم من سنوات طويلة في ريال مدريد جعله المرجع الأول لزملائه في اللحظات الحاسمة، حين يبحث الجميع عن لمسة تحسم أو تمريرة تفكك دفاعاً منظماً.
خارج الملعب نقل بنزيما ثقافة الفوز إلى غرفة الملابس: التعامل مع الإعلام بهدوء، والاحتفال باعتدال، والتركيز على المباراة التالية مهما كانت أهمية السابقة. جيل اللاعبين السعوديين الشباب في العميد يتعلم منه يومياً أن النجم الحقيقي يقاس بثبات مستواه عبر المواسم لا بلقطات متفرقة، وأن الألقاب تُبنى في التدريبات الصباحية قبل أن تُحسم في أمسيات التتويج الكبرى.
المرحلة المقبلة تطرح سؤالاً مهماً: كيف يستثمر الاتحاد السنوات المتبقية من عقد نجمه الفرنسي؟ الإجابة تبدأ من المحافظة على جاهزيته البدنية عبر إدارة دقيقة لدقائق اللعب، وتمر بتجهيز جيل جديد يتعلم منه ليحمل الراية بعده، وتنتهي بتحويل اسمه العالمي إلى أصل تسويقي طويل الأمد للنادي. التجربة أثبتت أن بنزيما ليس مجرد مهاجم يسجل، بل مشروع قائد متكامل يعيد للعميد هيبته داخل الملعب وخارجه.
ماذا بقي في المسيرة؟
في سنواته الأخيرة كلاعب، يبدو بنزيما مرتاحاً في دور لم يعد متاحاً له في أوروبا: الزعيم المطلق لمشروع كامل. التحدي القادم قاري؛ الاتحاد يعود إلى دوري أبطال آسيا للنخبة، البطولة التي أحرزها مرتين في 2004 و2005، وبنزيما يعرف طريق منصات التتويج القارية أفضل من أي لاعب في الدوري. حكايته السعودية لم تكتمل بعد.


